جلال الدين السيوطي

223

الإتقان في علوم القرآن

ومنها : أن أول السورة لما نزل إلى : وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) صادف أنه صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل ، وحرّك به لسانه من عجلته خشية من تفلته ، فنزل لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إلى قوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 15 - 19 ] ثم عاد إلى الكلام إلى تكلمة ما ابتدئ به . قال الفخر الرازي : ونحوه ما لو ألقى المدرّس على الطالب - مثلا - مسألة ، فتشاغل الطالب بشيء عرض له ، فقال له : ألق إليّ بالك وتفهّم ما أقول ، ثم كمّل المسألة . فمن لا يعرف السبب يقول : ليس هذا الكلام مناسبا للمسألة ، بخلاف من عرف ذلك . ومنها : أن ( النفس ) لمّا تقدّم ذكرها في أول السورة ، عدل إلى ذكر ( نفس المصطفى ) كأنه قيل : هذا شأن النفوس ، وأنت يا محمد نفسك أشرف النفوس ، فلتأخذ بأكمل الأحوال . ومن ذلك : قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [ البقرة : 189 ] الآية . فقد يقال : أيّ رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت ؟ « 1 » . وأجيب : بأنه من باب الاستطراد ، لما ذكر أنها مواقيت للحجّ ، وكان هذا من أفعالهم في الحج - كما ثبت في سبب نزولها « 2 » - ذكر معه من باب الزيادة في الجواب على ما في السؤال ، كما سئل عن ماء البحر فقال : « هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته » « 3 » . ومن ذلك : قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ البقرة : 114 ] الآية . فقد يقال : ما وجه اتصاله بما قبله ، وهو قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [ البقرة : 114 ] الآية « 4 » . وقال الشيخ أبو محمد الجوينيّ في تفسيره « 5 » : سمعت أبا الحسن الدهّان يقول : وجه اتصاله هو أنّ ذكر تخريب بيت المقدس قد سبق ، أي : فلا يجرمنّكم ذلك ، واستقبلوه ، فإنّ للّه المشرق والمغرب .

--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 40 - 41 . ( 2 ) رواه البخاري ( 1803 ) ، ومسلم ( 3026 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 54 ، والطيالسي في مسنده ( 717 ) ، وابن جرير في تفسيره 2 / 192 - 193 . ( 3 ) رواه أبو داود ( 83 ) ، وأحمد 2 / 237 - 361 ، والترمذي ( 69 ) ، والنسائي 1 / 50 - 176 ، وابن ماجة ( 386 ) . وابن حبان ( 1243 ) . والبيهقي في السنن 1 / 3 وغيرهم من طرق عن أبي هريرة - رضي اللّه تعالى عنه - . وسنده صحيح . انظر تفصيل تلك الطرق ، والحكم عليه في تخريجنا لسنن ابن ماجة . ( 4 ) انظر البرهان 1 / 45 . ( 5 ) نقله في البرهان 1 / 45 وعنده : أبو الحسين الدهان .